الشيخ محمد حسين الحائري

404

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

بذلك في أوائلها فلا حاجة إلى ملاحظة رجال السند في غير مواضع التعارض نعم يحتاج فيها إلى العلم المذكور للاخذ بقول الأوثق والأعدل كما جاء في أخبار العلاج وضعفه ظاهر لان قولهم في حق الكتب التي أخذوا منها الاخبار بأنها كتب مشهورة عليها المعول وإليها المرجع أو نحو ذلك فإنما يدل على توثيق أربابها ومصنفيها والاعتماد عليهم دون جميع من يتقدمهم من الرجال ألا ترى أنا نقول أيضا بأن الكتب الأربعة كتب مشهورة عليها المعول وإليها المرجع مع أنا لا نقول بجواز الاعتماد على جميع رواتها ورواياتها وأما حكم بعضهم بصحة رواياته كالصدوق فلا خفاء في أنه لا يقصد به توثيق رواتها كيف وهو لا يجامع ما ذكروه في كتب الرجال من تضعيف كثير منهم بل مجرد كونها معولا عليها معمولا بها عنده كما هو مصطلح المتقدمين ولا ريب أن تعويلهم كثيرا ما يبتني على أمور اجتهادية ومرجحات استنباطية بدليل اختلاف فتوى الواحد منهم في الكتاب الواحد فضلا عن المتعدد وظيفتنا تقليدهم في ذلك بل يتعين علينا الفحص والاجتهاد والبناء على ما نراه أوفق بالسداد وأقرب إلى الرشاد فإن الدلائل موجودة والامارات غير مفقودة ووقوفهم على جملة منها لم تصل إلينا معارض بوصولنا إلى جملة أخرى لم يقفوا عليها ولو جاز لنا التعويل على ما عول عليه أرباب تلك الكتب من الاخبار لجاز لنا التعويل عليهم فيما أفتوا به من الاحكام بل وعلى غيرهم لا سيما المتقدمين إذ ليس لأرباب هذه الكتب خصوصية يمتازون بها عن جميع من عداهم ولا للاخبار خصوصية تنفرد بها عن سائر الأدلة أو الاحكام وهذا راجع إلى القول بجواز تقليد المجتهد لغيره من الأموات وهو باطل إجماعا ومنها معرفة الدلائل الشرعية من الكتاب والسنة والاجماع والعقل فعلا أو قوة قريبة منه فيكفي التمكن من تحصيلها ولو بالمراجعة إلى الكتب المعهودة والمصنفات المعروفة واللازم من معرفة الكتاب معرفة ما يتعلق منها بالأحكام وهي خمسمائة آية تقريبا ولا يجب العلم بما عداها بل ولا بما هو منسوخ منها ما لم يتوقف معرفتها عليه فيجب العلم به على قدر الحاجة وقد صنف بعض أصحابنا في تحقيق تلك الآيات ما يغني عن المراجعة إلى غيره وكذا اللازم من معرفة الاخبار معرفة ما يتعلق منها بالأحكام دون غيرها ما لم يتوقف معرفتها عليه وكذا لا بد من العلم بمواقع الاجماع محققا ومنقولا ومواضع عدم الخلاف والشهرة إن قلنا بحجية الثلاثة الأخيرة أو حيث ينهض جابرا وقادحا وعلى هذا القياس الأدلة العقلية إلا أن موضع بيانها علم الأصول ومنها أن يكون له قوة يتمكن بها من رد الفروع إلى الأصول على وجه يعتد به عند أهل الصناعة من الفقهاء الماهرين وهي المعبر عنها بالقوة القدسية وتحصيلها أصعب من تحصيل بقية الشرائط بل يتعذر في حق كثير من الناس بخلاف بقية الشرائط فإنها قد تيسر لهم ولمعاشرة أربابها والمجادلة معهم ومدخل عظيم في حصولها كما نبه عليه الشهيد الثاني وكثيرا ما يتوهم فاقدها أنه واجدها لتسارع النفوس إلى حسن الظن بأنفسها فينبغي المراجعة إلى أهل الخبرة حذرا من الاشتباه والالتباس ولقد ترى في أبناء زماننا من ليس له أهلية تحصيل هذه القوة فضلا عن حصولها له وهو يزعم بنفسه أنه قد وجدها وظفرها بل ربما يزعم بنفسه أنه بلغ منها الدرجة القصوى وهو عنها بمراحل لا تحصى وإنما اعتبرنا في بيان هذه القوة أن يكون الرد على وجه يعتد به عند أهل الصناعة احترازا عن القوة التي يتمكن بها من الرد على وجه لا يعتد به عندهم فإنه لا يكفي في صدق عنوان الاجتهاد واقعا وإن اكتفي بها صاحبها مع اشتباه الحال عليه واعلم أنه إن عرف الاجتهاد بفعلية الاستفراغ فلا إشكال وإن عرف بملكته فقد يستشكل في المقام بلزوم اتحاد الشرط والمشروط فإن المراد بالملكة القوة والقوة التي يتمكن بها من رد الفروع إلى الأصول هي قوة الاستفراغ المذكور في حد الاجتهاد وأجاب عنه الفاضل المعاصر بأن المراد بالملكة المعتبرة في حد الاجتهاد الملكة الخاصة المترتبة على مجموع شرائط الفقه التي من جملتها الملكة العامة أعني تمكن رد مطلق الجزئيات إلى الكليات والفروع إلى الأصول لا رد جزئيات الفقه إلى كلياته هذا كلامه والظاهر أنه يريد بالملكة العامة الطبيعة المستقيمة وقد فسر القوة المذكورة عند بيانها بها ولا يخفى بعده فإن استقام الطبيعة منشأ لتحصيل هذه القوة لا نفسها مع أن استقامتها أمر فطري لا مدخل للكسب فيها كما صرح به بخلاف هذه القوة فإنها من الأمور الكسبية كما مر من حصولها بالمجادلة مع أربابها بل التحقيق في دفع الاشكال أن المذكور في الشرط قوة رد الفروع إلى الأصول ومرجعه إلى التمكن من معرفة اندراج كل فرع تحت أصله والظاهر أن هذا المقدار من القوة لا يستلزم التمكن من معرفة حكم الفرع كما هو معنى الاجتهاد بالقوة فضلا عن اتحادها معه فإن من لم يحقق مباحث الأصول ربما يحصل له بمزاولة الفقه ملكة يتمكن بها من معرفة اندراج كل فرع تحت أصله ولكن لا يتمكن من معرفة حكم الفروع لعدم تمكنه من تحقيق حكم الأصل وهذا واضح جدا ومنها أن يكون عالما بجملة يعتد بها من الاحكام علما فعليا بحيث يسمى في العرف فقها كما في النحوي والصرفي فإنهما لا يصدقان عرفا بمجرد حصول الملكة الكلية بل لا بد معها من الفعلية المعتد بها عند أهل الصناعة وهذا الشرط قد ذكره بعض أفاضل متأخري المتأخرين والتحقيق أن الملكة المعتبرة في الاجتهاد المطلق أعني الملكة الكلية لا يحصل غالبا إلا بالممارسة المستلزمة للفعلية المذكورة وكذلك العلم بحصولها لا يحصل غالبا بدونها فهي طريق إلى حصول الملكة ومعرفتها غالبا لا شرط في الاعتداد بها نعم لا يبعد اعتبارها في صدق اسم الفقيه عرفا وقد نبهنا عليه في حد الفقه ولا ملازمة بين الاعتداد بالملكة وبين صدق الفقيه